ساسي سالم الحاج
26
نقد الخطاب الاستشراقي
المستشرقين ، وإصدارهم للموسوعة الإسلامية التي تناولت بالبحث والتحليل جميع القضايا الإسلامية بأعلى المقاييس العلمية المتعارف عليها عالميّا « 1 » . ولعل من أعمق الآراء وأكثرها صوابا حول نقد إنتاج المستشرقين ما كتبه شاب أمريكي يدعى « فرانسوا دي بلوا » « 2 » الذي يرى أن اليساريين المشرقيين حينما ينتقدون الاستشراق فإنهم يدخلونه من باب الحملة على الإمبريالية ، كالدور الذي لعبه المستشرق الهولندي « سنوك هرجرونيه » في السياسة الاستعمارية الهولندية بأندونيسيا ، ودور المستشرق الفرنسي « ماسينيون » في خدمة الحكومات الفرنسية المتعاقبة كضابط في الجيش والمخابرات ، ودور المستشرق الأمريكي « برنارد لويس » الذي وضع نفسه لخدمة الصهيونية وتبرير قيام دولة إسرائيل بفلسطين . إلّا أن هذه النظرة ليست صحيحة على الإطلاق ، ولا يجب أن يوضع المستشرقون في سلّة واحدة ، فهناك منهم من كان ضد الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي ، ونذكر على سبيل المثال « كايتاني » الذي عارض بشدة الاحتلال الإيطالي لليبيا ، ومنهم من لم يشتغل بالسياسة مطلقا ، وهذا الوصف ينطبق على جلّ المستشرقين الألمان الذين انكبوا على دراسة تاريخ الشرق وحضارته القديمة ، ولم تكن لهم مآرب سياسية لبلدانهم . وهذا الكاتب يرى من جهة ثانية أن موجات من النقد تتوجه إلى الاستشراق من مواقع رجعية يمينية ، الذين ينزعجون جدّا من المنهجية العلمية خاصة مناهج « النقد التاريخي » الذي عالج به المستشرقون التاريخ الإسلامي . فاعتبر هؤلاء الناس أن أعمال المستشرقين ما هي إلا مؤامرات من جانب المسيحيين واليهود لتدمير الإسلام ، وأهم من يمثل هذا الاتجاه الدكتور عبد اللطيف الطيباوي الذي يرى أن الذين يمكنهم الكتابة عن الإسلام هم الذين يؤمنون به فقط ، ويؤمنون بأن القرآن كلام اللّه الموحى ، وكذلك الدكتور محمد البهي الذي يرى في الدراسات الاستشراقية عبارة عن تبشير صريح لرد المسلمين عن دينهم ، ويصف ( دائرة المعارف الإسلامية ) بأنها أخطر ما قام به المستشرقون حتى الآن ، ومصدر الخطر في هذا العمل هو أن المستشرقين عبأوا كل
--> ( 1 ) د . ميشال جحا ، الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا . معهد الإنماء العربي ، بيروت / 1982 م ، بتصرف كبير . ( 2 ) فرانسوا دي بلوا ، في نقد المستشرقين ، مجلة الفكر العربي ، العدد 32 / 1983 م ، المرجع السابق ، ص 145 - 151 .